المنجي بوسنينة

258

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

وهي المدرسة الشمّاعيّة والمدرسة اليوسفيّة والمدرسة الباشيّة ومدرسة السواري ، وممن تولّى مشيخة هذه المدرسة في العصر الحسيني مشائخ الإسلام من آل بيرم . ذكر صاحب الإتحاف أنّ الشيخ محمد بيرم الثالث دخلها ذات يوم فوجده ، أي ابن أبي الضياف ، مع الشيخ محمد بن سلامة ببيت ابنه الشيخ محمد بيرم الرابع ، وبيدهم كتاب « روض الآداب » ، والأصوات عالية في نقد بيت من الشعر ، فجلس حذوهم وشارك في الكلام ، ثم أخذ الكتاب من يد ابنه ، وكتب على ظهره ارتجالا قائلا : إنّ الزمان الذي تقضيه في الأدب * يراه أهل النّهى في جملة اللعب فاصرفه في شرف ترجى عواقبه * تأتيك آثاره تنهلّ كالسّحب وذا مقالي عن نصح أفوه به * وليس يرجى لنصح المرء غير أب ثمّ وضع الكتاب وقام وقال : الخطاب لكلّ واحد منكم ، لأنّي أرى أبناء الإفادة كأبناء الولادة [ الإتحاف ، 8 / 54 - 55 ] ، وفي كتاب ابن الخوجة : ثمّ دفع لهم الكتاب وعاد من حيث أتى [ معالم التوحيد ، 294 - 295 ] . وصف الشيخ النيفر كفاءته العلميّة فقال : « نشأ الشيخ محمد بيرم الثالث في طلب العلم مقبلا عليه ، منقطعا بكليّة إليه ؛ فلم يبلغ سنّ الشباب حتّى أبدر هلاله ، وبهر كماله وزاحم العلماء الفحول ، وأحرز قصب السبق في علمي المعقول والمنقول . تصدّر للتدريس ، فنشر الدر النّفيس ؛ وتزاحمت على منهله العذب ، وروض تحريره الخصب ؛ طلّاب المعارف ، ومنتجعو غيث الفوائد والعوارف ؛ وكانت له اليد الطولى في علمي المعاني والبيان والمنطق . أقرأ الشيخ محمد بيرم الثالث مختصر السّعد مرّات وكانت دروسه غاية تنقطع دونها الأطماع ، ويقصر عنها كلّ ذي باع ومع ذلك كان يقدّر قدر التآليف وينزّلها منزلتها ، ويراعي منافع الطالبين فيما يقري من التآليف ، ولا يطوح بتلاميذه بما لا يتناولون ثماره عن كثب [ عنوان الأريب ، 2 / 717 ] . وقال فيه الشيخ السنوسي : « وكان يقرئ أوّلا في جامع الزيتونة والمدرسة الباشيّة مع مواظبة كليّة وتحرّ في أوقات الدّرس ، وقد ظهرت مزيّته على أترابه ، وتقدّم عليهم في شرخ شبابه » . [ المسامرات ، 2 / 88 ] . وقال فيه أحمد بن أبي الضياف : « وله ولوع بالتّدريس وبثّ النّفيس ، ويقول : إنّي في حال التدريس أخاطب قوما يفهمون مقاصدي ، وأستفيد من أذكيائهم في البحث ما لا أستفيده من الخصوم ، وله كيفيّة في إلقاء الدّرس ، تسهّل ما صعب من المرام وتبعث في النفوس الغرام ، وعنايته بأبناء درسه أشدّ من عناية الغارس بغرسه » [ الإتحاف ، 8 / 54 - 55 ] . وأثنى الشيخ ابن أبي الضياف على أستاذه ثناء كبيرا يثبت تعلّق الطالب بشيخه ، فقال في إتحافه : « وكان رحمه اللّه بحر معارف لا يغيض ، وصاحب فنون يأخذ منها ويفيض ، ويرمي الشوارد بالسّهم المصيب ، فيأخذ أوفر نصيب ، فاضلا تقيّا عزيز النّفس ، عالي الهمّة